13 Reasons Why، عاشر الناس على ريبة منهم

ملاحظة قبل البداية : عنوان المقالة مقتبس من أبيات شعرية لعمر الخيام تقول

إِنَّ الذي تأنسُ فيه الوفاءْ        لا يحفظُ الودَّ وعهدَ الاخاءْ
فعاشِرِ النَّاسَ على ريبةِ        مِنْهم ولا تُكْثِر من الاصْدِقاءْ

اليوم أحدثكم عن مسلسل يروي قصة فتاة وضعت 13 سبباً لإنهاء حياتها، المسلسل من إنتاج نتفلكس مبني على رواية لكاتب أمريكي ما لا أعرفه ولكن إسمه كما يبدو هو جاي اشر – Jay Asher -، ومن بطولة وجوه شابة وجديدة على الشاشة تقريبا، أيضاُ لا أهتم بالبحث عن اسماءها ولو أنكم مهتمين تستطيعون البحث في IMDB. لست هنا لأذكر أسماء يستطيع أي منكم الحصول عليها بضغطة زر، أنا أكتب لأن هناك ما وددت أن أشارككم به حول هذا المسلسل، وللتنويه قد تحتوي المراجعة على ما قد يعتبره البعض  حروق طفيفة لبضعة تفاصيل ليست ذات أهمية، وعليه وجب التنويه.

هانا بيكر قررت أن تموت، وفي طريقها للموت ستروي قصتها أو معانتها كما تظن التي أوصلتها لتلك النقطة بثلاثة عشر سبباً، يبدأ المسلسل كما نعرف عندما تصل الأشرطة  السبعة التي سجلتها هانا بيكر الى زميلها في الثانوية كلاي جنسن، ليبدأ بالإستماع لقصة حياة الإنسانة التي أحب من منظورها هي، ليرى حياة إنسان بعيداً عن الأقنعة التي يرتديها الجميع غالباً طوال الوقت. يروي المسلسل قصة هانا بيكر في مدرستها الثانوية، حيث تصارع  لتلقى لنفسها موطن قدم، لتستطيع أن تندمج مع مجتمع غريب الأطوار، ولا أقصد بذلك أن المجتمع الذي صوره المسلسل غريب الأطوار وإنما مجتمع مرحلة الثانوية عموماً هو مجتمع غريب الأطوار، لا يهم إن كنت تحيا بالولايات المتحدة الأمريكية أو في الشرق الأوسط، الفارق الوحيد ربما هل ستتعرض للإزعاج بالعربية أو بالإنجليزية وهو ليس بالفارق المهم عموماً، ويستمر العمل بشرح وتفصيل تلك المرحلة من حياة هانا، تحاول أن تنال إعجاب فتى ما يتضح أنه سيء، تصاحب فتاة يتضح أنها أن ليست كما كانت تظن، تعرفون كل ذلك لأنه ببساطة طبيعة الحياة في تلك المرحلة.

يروي المسلسل قصة هانا وكلاي من خلال سرد الوقائع كما ترويها هانا في الماضي ثم من خلال تفاعل كلاي معها ومع ذات المحيط في الحاضر، ونتعرف من خلال طريقة السرد هذه على شخصيات العمل بطريقة مميزة وكل على حدة، 13 عشر سبباً وشخصاً كما ترى هانا كانوا سبباً في وفاتها، لكن وكما ترى القصة تروى من طرف مراهقة، ذلك خلق حالة من السطحية تعوم شخصيات وأحداث المسلسل بها، ولا أظن أن ذلك عيباً كتابياً، قد لا يروق لك لكنه بالتأكيد ليس عيبا كتابياً لأن القصة تروى من خلال مراهقة، ولذا كانت هذه التصرفات وطبيعة التفكير تلك هي الشيء الطبيعي والمنطقي، تتحدث هانا من خلال قصتها عن تلك الشخصيات وكيف دفعوها لقتل نفسها بطريقة أو بأخرى، ويرينا المسلسل أن الأذى التي لحق بها لم يكن بالضرورة من أشخاص سيئين تعمدوا إلحاق الأذى بها، وأنه حتى اللطفاء قد يتسببوا بالضرر. لكن وبالكثير من الوقت كنت أشعر بأن هانا تضخم الأمر وبأن هناك شخصيات لم تستحق التواجد في تلك القائمة وأن هانا كانت جزء من مشكلتها وإن لم تكن تدري، ولربما في النهاية يكون هذا متعمداً من الكاتب، لا أدري عموماً، بكل الأحوال القصة تروى من جانبها أغلب الوقت وعلينا أن نختار إلى أي حد كانت هانا ضحية ؟

إسمحوا لي أن أصنف تلك الأسباب التي وضعتها هانا وأفضض عنها قليلا، لا تقلقوا لن أذكرها وسأترك لكم المجال لسماع الأسباب من خلال المسلسل، لكن فقط سأصنفها في مجموعات ثلاث، الأولى أخطاء نرتكبها، الثانية أفعال نجبن على أن نقوم بها، الثالثة ضيوف غير مرغوب بهم في حياتنا، وسأبدأ حديثي بالفئة الثالثة وسأعود بالتحديد لأيام الثانوية حيث تدور قصة هانا في الناحية الأخرى من العالم ولكن تحت ذات القوانين، إما أن تكون هناك متنمر أو ضحية لمتنمر أو قد تكون لو حالفك الحظ شخص على الحياد لو إمتلكت المؤهلات العسكرية وقوة الردع الكافية، الجميع يتفق على ذلك على ما أظن، الحقيقة أن البشر كائنات حيوانية، وكلما تكون أصغر عقلاً كلما ينفلت عقال الحيوان الذي بداخلهم، ولكن للأسف لا يوجد هناك من يكبح جماح هاؤلاء، ولسبب ما يقرر الجميع أن هذه طبيعية الحياة ولا بأس بها ويجب أن تستمر. التدخلات من الأساتذة أو حتى الطلبة الأوعى هي لو حدثت تدخلات خجولة ومن نوع – أنظر أنا شهم ولن أدعك تتعرض للأذى دون أتدخل شكلياً لأظهر لك ذلك – !

لننتقل للفئة الأولى، أخطاء نرتكبها و لو أن أحدكم سألني ما هو الشيء الذي يزعجني أكثر بشأن  طفولتي أو حتى مراهقتي أو حتى بعد ذلك بسنوات، سأقول دوماً بلا أدنى تردد: لم يحذرني أحد عندما أرتكبت أخطائي تلك، لم يقل أي شخص أعرفه بشكل حقيقي أو لا أعرفه  بشكل كامل أي كلمة، الكثير منهم شاهدني أرتكب الخطأ تلو الأخر وكلهم إكتفوا إما بتوبيخي  أو تجاهل الأمر برمته، لكن أحد منهم لم يخبرني أن أخطائي تلك هي من ستحدد من أكون، هي من ستحدد كيف سأصبح وكيف سأواجه الحياة في كل يوم متبقي لي لأحياه. الحقيقة أن أخطائنا لا تنسى أبداً ولو غفر المجتمع لك،  قد ينسى الجميع لكن أنت لن تنساها، وستستمر تلك الأخطاء بملاحقتك طوال حياتك، وإما ستقرر وقتها أن تجعل تلك الأخطاء تحدد من ستكون لبقية حياتك أو أنك ستعيش مع ذلك الذنب وذلك الخطأ، ولو قدر لي أن أعطي نصيحة تربوية ما أو أستخلص نصيحة تربوية ما من المسلسل  فستكون أعط طفلك تلك المعلومة، الأخطاء لا يتجاوز عنها، لا تنتسى أبداً.

أخيراً وليس أخراً الفئة الثانية، أفعال نجبن على أن نقوم بها،  تحت هذا البند تقبع اسئلة من نوع: لما لم تخبر ذاك الفتى أن يتوقف عن مضايقتك، لماذا لم تخبر مديرك بأن يذهب للجحيم وأنه لا يحق له أن يعاملك بهذه الطريقة، ولماذا لم تخبر تلك الفتاة أنك أحببتها، ولماذا لم تأخذ تلك الفرص السانحة للسعادة، لم مررت بلحظات كثيرة كان يمكن لها أن تغير حياتك وأكتفيت بأن تقف متفرجاً منتظراً معجزة ما.  عدد لا نهائي من لحظات كهذه نخشى فيها من ردة الفعل الممكنة، ولهذه الأسئلة نحب السينما والروايات والحكايا الخيالية، لأنه هناك مثل هذه المواقف و الأفعال تتخذ. الحقيقة  أن كثير من تفاصيل الحياة تحدد بناءاً على تلك اللحظات وتلك الأفعال، فالخجول تؤخذ مساحته من القوي، والضعيف يتعرض للدهس ويتم تجاوزه، الكل يبحث أن أكبر قدر من الغنائم من الممكن أن يحصل عليها، بغض النظر عن أي شيء أخر. ولذا لو كنا سنعطي نصيحة تربوية أخرى فستكون إزرع في إبنك الشجاعة لإتخاذ المواقف تلك، للوقف من أجل ما يهمه، أو أن لا يتعدى على مساحات الأخرين!.

الخلاصة وزبدة المقالة:

13 سبباً لماذا ؟ هو مسلسل لا يمتلك فكرة مبتكرة ولكن بطريقة سرد مميزة ويناقش قضايا إجتماعية مهمة تستحق أن نقف عندها حقاً، لم تكن قصة هانا يراد بها أن نبني أحكاماً على شخوص الحكاية، لا على المذنبين ولا على من خذلها من أصدقائها، ولا حتى عن الضحية، لا أظن أن العمل في نهاية المطاف أرادنا أن نبني أحكام عن شخصياته، عن هانا أو عن كلاي، أو عن هل كانت هانا محقة بقائمتها تلك، أو بإقدامها على قتل نفسها، العمل كما أراه كان دعوة لأن نهتم ونكترث لكل التفاصيل، هذه كانت رسالته الأبرز فنحن كما يقول كلاي لا نعرف ما يحدث مع من أمامنا بحياتهم، كلمات بسيطة قد تؤذي بحالات نفسية معينة أكثر بكثير مما نظن. طاقم المسلسل كان جيد الى حد ما، لكن لم يبرز أي منهم بشكل مميز، أعتقد أن أفضلهم أداءاً كان براندون فلين، وأسوء أداء كان كريستن نفارو، لكن بالعموم أغلبية الطاقم التمثيلي بلا خبرة حقيقية، وهذا كان واضح في التعامل مع مشاهد كثيرة يفترض أنها تمثل إنعطافات درامية حادة. كتابياُ برزت عدة عيوب واضحة بالنسبة لي خلال العمل، أبرزها أنك ستشعر بأن الكاتب كان بأحيان كثيرة رهين لفكرة 13 سبباً موزعة على ثلاثة عشر حلقة، يطيل بأحيان لا داعي  ثم يختصر بلحظات أخرى أكثر أهمية، أيضاً هناك عدد لا بأس به من الأحداث التي شعرت بأنها أقحمت في القصة وأحداث أخرى لم تأخذ حقها وللأسف كانت أحداث مهمة حقاً، ببساطة الكاتب وكأنه أراد أن يكثر من الأسباب والشخصيات خلف حادثة هانا بيكر، الأسباب كانت كثيرة لكن عدد لا بأس منهم لم يمتلك العمق والتأثير الكافي أو بمعنى أخر لم تبدو أسباب حقيقية قد تكون سبب لإنتحار فتاة، وفي ذات الوقت الأسباب المحورية أو الأحداث الأساسية كما أرى لم ترتقي لتخلق تأثير عميق علي كما يفترض منها لأنها لم تحظى بالوقت الكافي،  لكون الأداء التمثيلي خذلها في أحيان وفي أحيان أخرى العرض المتعجل لها فما حدث في أخر 3 حلقات كان يفترض أن يحتل الجزء الأبرز من الموسم، لكن في النهاية حصل على ذات الوقت التي حصلت عليها أحداث ومواقف أقل أهمية بكثير.

ختاماُ لو أنكم قد أتيتم لمقالاتي هذه بحثاً عن جواب للسؤال الدائم لأي قارئ لمراجعة، هل يفترض بنا وضع العمل على قائمة المشاهدة؟ فللأسف لا أملك لكم جواباً واضحاً وشافياً، وإن كنت أمل أن يكون ما كتبت أعلاه ذو فائدة لكم بإتخاذ هذا القرار.

التقييم النهائيّ

الكتابة:
التمثيل:
الإخراج:
رأي شخصي:
7 / 10 مسلسل لا يمتلك فكرة مبتكرة ولكن بطريقة سرد مميزة ويناقش قضايا إجتماعية مهمة تستحق أن نقف عندها حقاً، لو إمتلكت رقة القلب الكافية فأظن بأنك ستجد فيه ما يستحق الوقت الذي أمضيته معه.