Battlestar Galactica، فاتنة الفضاء

 

بداية أعتذر عن غيابي لفترة طويلة، البعض يقول ولماذا تعتذر ! غيابك ليس مهماً ولم يكن ملحوظاً أصلاً والبعض سيقول كنا بأفضل حالاً بدون كل هذا الهراء التي تكتبه وتعتقد أنه مهم، ولكن بطبيعة الحال يجب أن يبقي الشخص تفكيره إيجابياً , لذلك سأتظاهر بأني لم أسمع كل هذه الإهانات وأني سمعت صوت تصفيقات حارة وصراخات ترحيبية مجنونة وأني أنحى خجلاً محيياً كل هذه الجموع .

إذا بعد كل هذا الترحيب يا أصدقائي دعونا نبدأ ،

حسناً الكل يعرف إن الحياة قد تكون لعنة بقدر ما قد تكون نعمة، و هاؤلاء الأحياء ليسوا دوما الأسعد حظاً، فقد تعطي الحياة من الأسباب ما قد تجعل الحي يقف على الميت ويرغب بأن يحل محله، يرغب بأن تكون رحلته قد وصلت لمحطتها الأخيرة مع هاؤلاء الذين غادروها أولاً.

تحكي الكتب المقدسة عن عالم عاش به البشر سابقاً في تناغم وإنسجام مع الألهة، ذلك الكوكب كان يدعى- كوبول – ، ذلك الكوكب تعرض للدمار منذ زمن طويل جداً بفعل أطماع البشر، غادرته القبائل البشرية الإثنى عشر التي عاشت به، لتشكل مستعمرات في عوالم جديدة في مكان ما من هذا الكون الواسع، أسس الناجون حياة جديدة، فنشأت وتكونت ما يسمى بالمستعمرات الإثنى عشر.

صنع السايلونز من قبل البشر، في البداية صنعوا لجعل حياة البشر في مستعمارتهم الإثنى عشر أفضل وأسهل، لكن كما يمكن لنا أن نتوقع ان ذلك لم يدم أبداً، وأتى اليوم الذي إنقلب فيه السايلونز على البشر، قتلوا وحاربوا صانيعهم، بعد حرب طويلة وكثير من القتلى وكثير من الدمار وبعد حرب لم يستطع أي من الطرفان حسمها إعلنت الهدنة أخيراً، هدنة إستمرت لأربعين عاماً، لم يسمع أحد من البشر طوال هذه المدة ولم يرى أحدهم السايلونز، لكن الهدن لم تصنع إلا لتنتهي، وكأي هدنة أخرى حانت اللحظة التي تصبح فيه مجرد ماض جميل .

bsgbc_F03

هكذا وبدون سابق إنذار، تنتهي الهدنة وتنهي أيام السلام في مستعمرات البشر الإثنى عشر على يد من صنعوهم سابقاً، بطريقة ما يصل السايلونز لأجهزة وقوات الدفاع البشرية ويبطلوها، تنتهي الحرب قبل حتى أن تبدأ،  ويسحق البشر تحت جبروت وقوة الألات التي لا ترحم ولا تعرف الرحمة، التي لم تمتلك روح بشرية لتقدر الحياة، ولكن يتسائل العمل ويجعلنا نتسائل معه هل حقاً كنا كبشر مختلفين، هل قدر البشر الحياة من قبل ! في الواقع لربما لم يفعل السايلونز إلا ما فعله من قبله صانعيهم، لربما تعلموا تلك الألات ما أجدنا نحن فعله دائماً، فالبشر من أجود ألات القتل كانوا دائماً وأكثرها وحشية . هكذا علمنا التاريخ، وهكذا علمنا الواقع، ولذا سنسمع القائد العظيم لجالجتيكا أداما يقول سيأتي الوقت الذي لن نستطيع فيه الإختباء من أفعالنا وسنواجهها حتى لو كنا كارهين .

يقف الناجون من رجال ونساء كوبول من تبقى من أهل تلك المستعمرات الإثنى عشر بعدما أبيدت للصلاة على أرواح من غادروهم، يقفوا ليرددوا الصلوات التي حفظوها صغاراً ورددت على مسامعهم كثيراً قبل أن يأتي اليوم ليرددوها هم على أجساد من فقدوهم، لربما لم يستشعروا سابقاً معانيهاً، ولربما لم يبكوا قبلاً على وقع كلماتها، لكن اليوم مختلف، فاليوم يذرفون الدموع ، لأن اليوم الصلاة على أرواح أحبائهم.

يا ألهة ( كوبول )، خذي هاؤلاء الرجال الشجعان بين يدك ، إلتقطي أرواح الأصدقاء الراحلون لكي يتشاركون بالحياة الأبدية التي تنتظرنا كلنا خلف وادي الدموع .

فجأة تتحول حياة الإنسان لشيء قيم، البشر تقريباً على حافة الإنقراض كجنس، الناجون منهم لملموا أنفسهم وغادروا جميعاً هروباً من الألات القاتلة، على متن مركبة الفضاء جاليجتكا وعلى متن عدة سفة أخرى يركب أخر البشر في رحلة طويلة، يبتعدوا عن الوطن عن مستعمراتهم الإثنى عشر ليجدوا لأنفسهم مكان في هذا الكون ليستطيعوا بدء حياة جديدة فيه.

Battlestar Galactica: Blood & Chrome - Pilot

دعونا نتفق أولاً أن فكرة صناعة ألات ذات ذكاء إصطناعي تنقلب على الإنسان وتحاربه ليست فكرة جديدة في عالم التلفاز أو السينما عموماً، الجميع أعتقد شاهد ترمينيتور مثلاً، مع عدة إختلافات في المضمون قد نتطرق لها لاحقاً لكن التشابه العام بالفكرة موجود، لذلك أقول أن باتل ستار جالجتيكا لم يأتي بصعيد القصة على شيء جديد أو مبتكر، لكن علي أيضاً أن أقول أن العمل اضاف بضعة تفاصيل جيدة للقصة لم تمر علي سابقاً أضافت بعد جديد وجميل للقصة، عموماً ما أود أن أقوله أن تكرار القصة أحبطتني عند بدء المتابعة لأني إنتظرت توجه أخر للقصة بحكم أني بدأت مع المسلسل بدون أي فكرة مسبقة عن مضمونه، لكن بنفس الوقت مع تتابع الحلقات وإنغماسي أكثر في القصة تأكدت أن الكتاب كانوا على قدر جيد من الإبتكار والجرئة، أجادوا إستخدام ثيمة العمل وخرجوا منها بقصة بطابع مميز وخاص لها، والأهم جعلوها – أي الفكرة – تبدو واقعية وقريبة لنا.

باتل ستار جاليجتكا قد تعتقد وأنت تنظر له لوهلة أنه ببساطة كقصة عمل يتناول رحلة نجاة، قد تنظر له ببساطة كمسلسل يتناول ثيم بسيطة ومكررة وشاهدناها سابقاً، لكن الحقيقة أكثر من ذلك، جالجتيكا وقصة ذلك الأسطول الأخير للبشرية الذي يبحث عن نجاته يخوض أعمق من فقط سطح القصة، يخوض أعمق من إثارة مطاردات مميتة ورصاصات متناثرة، نعم قدم لنا ذلك وبكثرة ربما لكنه أيضاً نجح ببراعة على الخط الدرامي والإنساني للقصة، في خوض رحلة مع الإنسان بجانبه السيء وجانبه الجيد على حد سواء، العمل عبارة عن رحلة لإستكشاف المجهول حرفياً، كيف نتصرف مع ما نؤمن به، كيف نتصرف مع ما لانؤمن به، كيف نواجه من لا نثق به، كيف نتكلم ونقف من أجل ما نعتقد أنه الصواب، صحيح أن الكتاب إستغلوا بضعة نقاط مثل الحرية والديموقراطية الأمريكية كمحور كبير جداً بتصوري على قصة نجاة لأخر الجنس البشري، لربما يرى البعض أنه من المضحك أن يتم تصوير أنه وحتى تحت هذه الظروف أن هناك من سيقفوا ليدافعوا عن ديموقراطية إتخاذ قرارهم أو ما شابه من هذا الهراء، لكن دعوني أؤكد لكم أن البشر بالفعل لهذا الحد من الحمق، للحد الذي يسمحوا لأنفسهم فيه أن يتقاتلوا فيه على السلطة ، حتى وإن كانت سلطة بلا قيمة، حتى لو أنه سينتهي بهم المطاف لحكم وبسط سيطرتهم على خرابة وأطلال مهجورة فقط ! أعتقد أن مثل هذه الأمثلة يستطيع أن يراها أي منا على أرض الواقع لو أنه فقط أمعن النظر بما يكفي ليدرك مدى سخف البشر !

دعوني أقتبس نصاً من العمل يوضح قليلاً من ما اقصده من بحث العمل عن نقاط جوهرية لطرحها بعيداً عن إثارة الفكرة فقط، يقول قائد جالجتيكا الكابتن اداما : عندما حاربنا السايلونز فعلنا ذلك لننقذ أنفسنا من الإبادة، لكن لم نجب أبداً عن السؤال، لماذا ؟ لماذا نحن نستحق الإنقاذ ! ما زلنا نرتكب الجرائم بسبب الطمع،الضغينة او الغيرة، ثم نرفض تحمل مسؤلية ما فعلناه ! و عاجلاً أم أجلاً ستأتي الأيام عندما لا تستطيع الإختباء مما فعلناه.

 

باتل ستار جالجيتكا كعمل خاض في الكثير جداً من النقاط والأفكار ، فما بين الحديث عن الحريات وعن الديموقراطية ومابين الحديث عن السياسة والطبقات الكادحة ، وما بين الحديث عن الإنسان والإيمان تقريبا أستطيع القول أن العمل تحدث في كل ما يمكن التحدث حوله تقريباً ، هذا بالتأكيد أضاف غنى جميل للنص ، وهو أمر يحسب لكتابة العمل ، لكن بنفس الوقت عابت الكتابة أنهم فصلوا كل حلقة عن الأخرى بحبكة منفصلة ، الكتاب تعاملوا مع الحلقات بشكل منفصل لحد كبير ، هذا جعل الحبكة أحياناً مفككة والأحداث التي تأتي في الحلقة الهدف منها خلق حالة إثارة وقتية بغض النظر عن مدى خدمتها لعموم النص ، بالنسبة لي هذا أحد أبرز عيوب الكتابة ، وهذا برز بشكل كبير خصوصا في الموسم الأول من العمل وجزء كبير من الثاني ، عموماً هي نقطة سلبية تكررت وتتواجد في أعمال الشبكات عموماً ، حيث تكثر عدد حلقات الموسم فنجد الكثير من الحشو والكثير من الأحداث التي يمكن وصفها بأنها خارج السياق العام للعمل أو أنها لا تخدم الفكرة الأساسية للقصة .

 

شخصيات العمل بقدر ما كانت منوعة وكثيرة خصوصاً مع تقادم الحلقات ستجد أنهم يعطوا وقت وحلقات لشخصيات جديدة دائماً وأنهم يوزعوا ظهورهم بشكل جيد على الشاشة لكن هذا التنوع كنت أشعر أحياناً بأنه عشوائي ، فتطور الشخصيات كان يأتي في حالات معينة ومواقف متفردة ثم لا نرى إمتداد هذا التطور على الشخصية ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات ليست أساسية ، وهو عيب كتابي تابع لنفس النقطة السابقة ، فصل حبكات الحلقات توجب عليهم تطويربعض الشخصيات بشكل مفاجئ ثم وعندما إنتقت الحاجة لهذا التطوير على صعيد الحبكة تعاملوا معها وكأن شيء لم يكن ! لكن وللنظر للنصف الممتلئ من الكوب أقول انها أيضاً اضافت جمالية في أحيان وأعطت الشخصيات الثانوية مساحة لتكون أكثر من مجرد أدوات في ايدي الشخصيات الأساسية ، اعطتنا وجهات نظر من شخصيات مختلفة من فئات طبقية مختلفة على الصعيد الثقافي أو الإجتماعي حتى ، لذلك الأمر لم يكن سلبي دائماً ، لكن عموما هي نقطة تضعف من قيمة العمل .

 

تمثيلياً العمل كان جيد، لا استطيع إعتبار الأداء التمثيلي من نقاط قوة العمل حيث كانت اغلب الشخصيات ذات طبائع مكررة ومفهومة وفي أطر معروفة ومشاهدة مسبقاً في اعمال أخرى، طبيعة الشخصيات لم تكن بتلك الإبتكار والإختلاف الذي يستوجب إبداع تمثيلي، خصوصاً وأن العمل توجه لنواحي الإثارة بشكل كبير، هذا لم يعطي فرصة ومساحة للشخصيات لتقدم أدوار تمثيلية مميزة وخالدة لكن لابد من القول أنه وعلى الرغم من كل ذلك إلا أن الممثيلن قاموا بأدوارهم بشكل جيد، إستطاعوا أن يعطوا الإنطباع المطلوب وأن يقدموا ما هو – متوقع منهم – وحتى أن منهم من سيبقى في ذهنك بعد المشاهدة لسبب أو لاخر، شخصياً مثلاً شخصية هيلو التي اداها الممثل توماه بينكيت أو مثلا ستاربك أو كيرا التي أدتها الممثلة كاتي ساكهوف كانتا أكثر شخصيتين علقتا في ذهني ، بطبيعة الحال هنا لا أتحدث عن أداءهم التمثيلي بالتحديد، لكن اتكلم عن كتابة شخصياتهم، كانوا بالنسبة لي من أميز الشخصيات في العمل وأكثرهم عمقاً وإيجابية للقصة.

215b

 

أخيرا كعمل خيال علمي يجب أن أتحدث عن الإخراج والمؤثرات البصرية بطبيعة الحال، فهي نقطة من صميم عمل من هذا النوع، المؤثرات كانت جيدة نسبياً بالنسبة لعمل تلفزي، إستطاع العمل الحصول على الإيمي كأفضل مؤثرات في سلسلة تلفزية لسنتين وإستطاعوا الحصول على ترشيح في مترتين أخرتين ، أيضاً العمل إستطاع الحصول على ترشيحات في الجانب الإخراجي والمونتاجي لأكثر من سنة ، تقريباً نستطيع القول أن هذا الجانب والجوانب التنقينة الخاصة بالصورة أو الصوت عموماً من العمل هي أكثر الجوانب التي نالت تقديراً من لجان الجوائز ولحد كبير أتفق معهم في ذلك .

دعونا نختم المقال فلقد أطلت الحديث وفي الغالب أغلبكم قد مل وأنا أتفهم الأمر تماماً، لذلك سأحاول تلخيص نقاط أخيرة تكون ذات عون لكم في تقرير إن كنتم ستشاهدون هذه السلسلة من عدمها.

باتل ستار جالتيكا هو أحد أهم السلاسل التي تناولت الخيال العلمي، إنت كنت من محبي الفضاء والرصاص المتطاير والإنفجارات والمطاردات هناك في الفضاء الخارجي وما زلت تحمل من طفولتك ذكريات جميلة من غرادايزر والدوق فليد أعتقد أن ستجد في العمل ضالتك .

باتل ستار عمل إثارة بالمقام الأول ، لا تبحث في عنه قيمة درامية كبيرة ، ها أنا أوضح الأمر منذ الأن لكي لا تضيع وقتك عليه إن كنت تبحث عن تحفة إنسانية درامية .

أخيراً العمل خاض في عوالم غريبة من النبوءات والاحلام والقوى الخارجة عن الطبيعة أيضاً، لا تبحث عن الكثير من المنطق فيه ولا تتحسس من بضعة – شطحات – هنا أو هناك في النص .

أخيراً مرة أخرى العمل إحتوى بضعة مشاهد جنسية غير لائقة ، لكن لم تكن بتلك الأهمية وبإستطاعتك أن تمررها بدون أن تفسد عليك شيء من القصة تقريباً .

هكذا أكون وصلت لخاتمة موضوعي اليوم، أتمنى أن أكون ذو فائدة لكم أكثر مما أكون ذو فائدة في الغالب، وأتمنى أن أقرأ تعليقاتكم حول العمل إن شاهدتموه، و أخبروني إن كنتم ستضعوه في قوائم مشاهداتكم إن لم تشاهدوه .

التقييم النهائيّ

الكتابة:
التمثيل:
الإخراج:
رأي شخصي:
7 / 10 تجربة تلفزية جميلة ، مزيج ممتاز وممتع من الدراما والإثارة والخيال العلمي، بالتأكيد يستحق منكم فرصة .